Founder, The Jurist, Managing Partner at Elnaggar & Partners, Founder and President at Emirates Legal Network
عندما يتحول السرد إلى جريمة إلكترونية، وعندما يجذب الإفصاح العلني المساءلة القانونية.
قراءة قانونية للإفصاح الشخصي في الكتابة العامة
في عالم اليوم، يكاد يكون الجميع مؤثرًا إعلاميًا، أو كاتبًا، أو على الأقل معلقًا عامًا. في مثل هذا العصر الرقمي، نحن جميعًا معرضون للمساءلة القانونية، سواء أدركنا ذلك أم لا. لقد أصبح الخط الفاصل بين السرد القصصي والمسؤولية القانونية غير واضح بشكل متزايد. ما يُعرض غالبًا على أنه قصة شخصية أو تأمل حنين إلى الماضي قد يحتوي، عند التدقيق، على عناصر تتجاوز التعبير الأدبي لتدخل في نطاق الإفصاح ذي الصلة القانونية.
مقال تم تداوله مؤخرًا، كُتب بأسلوب تأملي وسردي، يقدم حالة دراسية مقنعة. ففي حين يبدو للوهلة الأولى تعليقًا اجتماعيًا على تجارب سابقة وملاحظات حالية، فإن القراءة القانونية الدقيقة تكشف أن الكاتب يفعل أكثر من مجرد سرد ذكريات. فهو يستخدم الإنترنت لنشر أفعال وتفاعلات شخصية محددة وينسبها إلى نفسه وإلى غيره بطريقة تثير تساؤلات قانونية مشروعة.
هذا التمييز مهم. فالمسألة ليست ما إذا كان الكاتب قصد ذاتيًا مخالفة القانون، ولا ما إذا كان الطابع الساخر لطرحه يرفع الكلام من مستوى الرأي إلى مستوى الوقائع والأرقام التي قد تؤثر على تصورات الجمهور. المسألة هي ما إذا كان المحتوى، كما كُتب، يشكل إقرارًا بسلوك قد يخضع للتدقيق القانوني، وما إذا كانت بعض الادعاءات الواقعية، إن كانت غير دقيقة، قد تثير المسؤولية بموجب القوانين التي تنظم المعلومات الكاذبة والجرائم الإلكترونية.
كتب الكاتب في مقاله:
“تقول صحفهم إن عدد الكلاب وصل إلى 14 مليون… تقريبًا كلب لكل مواطن.”
ويعرض هذا الرقم كما لو كان حقيقة موثقة مرتبطة بالقاهرة. إلا أن المواد المتاحة علنًا التي تناقش وضع الكلاب الضالة تشير إلى تقدير يتراوح بين 10 و14 مليون كلب في مصر ككل، وليس في القاهرة فقط. وهذا يشير إلى استخدام تقدير وطني بطريقة قد تدفع القارئ للاعتقاد بأنه ينطبق على مدينة واحدة. وحتى بافتراض عدم وجود نية سيئة، فإن الأثر العملي قد يكون إشكاليًا: إذ قد يخلق مثل هذا التصريح غير المؤهل صورة مبالغ فيها عن خطر عام، ويساهم في نشر القلق الاجتماعي، وقد يضر بسمعة ومصالح إحدى أهم العواصم في المنطقة.
ثم يذكر الكاتب:
“أم إمام كانت مسؤولة عن توريد المدعوات — من الجميلات والراقصات — إلى حفلات عيد ميلادي، التي كانت تقام كل أربعة أيام طوال الشهر بالكامل.”
هذا التصريح له دلالة. فاستخدام كلمة “توريد” يوحي بنمط يتضمن تنظيمًا وتنسيقًا، كما أن الأحداث موصوفة بأنها متكررة وليست عرضية. من الناحية القانونية، لا يشكل هذا تلقائيًا إقرارًا مباشرًا بممارسة الدعارة أو أي نشاط غير مشروع محدد. إلا أنه يمثل إقرارًا علنيًا بترتيب حضور نساء ضمن إطار اجتماعي منظم ومتكرر، وهو ما قد يلفت الانتباه — بحسب التفاصيل الواقعية الإضافية والقانون الواجب التطبيق — إلى الجهات التنظيمية أو سلطات إنفاذ القانون. وعلى أقل تقدير، فإنه يخلق سردًا واقعيًا قد يثير الشك أو الاستفسار، لا سيما في الأنظمة التي تتسم بتشدد في مسائل الأخلاق والنظام العام، ليس فقط بالنسبة للكاتب بل أيضًا للأشخاص الذين ذكرهم كمُنظمين أو مضيفين.
كما يذكر الكاتب:
“الريس عثمان كان الصراف الآلي لنا، يبدل الدينار الكويتي إلى الجنيه المصري بسعر السوق السوداء. وكان السعر الرسمي وقتها جنيهاً ونصفاً للدينار، بينما كان يبيعه لنا بجنيهين.”
هذا المقطع يحمل دلالات قانونية واضحة. فهو يحدد شخصًا غير مرخص يمارس نشاط الصرافة، ويشير صراحة إلى “السوق السوداء”، ويؤكد مشاركة الكاتب الفعلية (“كان يبيعه لنا”). وهذا ليس معروضًا كاستعارة أو مبالغة أدبية، بل كوصف واقعي لتعامل في النقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية.
وبموجب القانون المصري، فإن تشريعات البنك المركزي والجهاز المصرفي تقصر أنشطة الصرافة على الجهات المرخصة وتجرّم المخالفات. ويقرر الإطار القانوني أن أي شخص يتعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك أو شركات الصرافة المرخصة قد يكون مرتكبًا لجريمة. ويشمل ذلك شراء أو بيع العملات في السوق السوداء، واستخدام وسطاء غير مرخصين، والتعامل بأسعار غير رسمية بغرض الربح. وقد تشمل العقوبات الحبس، وغرامات كبيرة، ومصادرة الأموال محل الجريمة.
ومن ظاهر النص، يصف الكاتب:
• المشاركة في عمليات تمت خارج القنوات المرخصة.
• معاملات بأسعار غير رسمية موصوفة بأنها “سوق سوداء”.
وسواء كان تحريك دعوى ممكنًا أو سقط بالتقادم مسألة فنية، إلا أن التكييف القانوني للسلوك الموصوف يتوافق مع الأنشطة التي تهدف هذه القوانين إلى تنظيمها وتجريمها.
كما يروي الكاتب واقعة شخصية تتضمن طلب قبلة:
“قلت لها: اديني بوسة.. فغضبت وذهبت لتشكوني عند البواب.”
في هذا المقطع، ينسب الكاتب إلى نفسه فعلًا محددًا، ويصف طلبًا ذا طبيعة حميمة، ويؤكد رفض الطرف الآخر، ويذكر أنها صعّدت الأمر بالشكوى إلى شخص له قدر من السلطة أو السيطرة في المكان.
ومن الناحية القانونية، لم يعد هذا مجرد سرد مجازي أو تجريدي. ففي العديد من الأنظمة القانونية، قد يندرج هذا النوع من السلوك ضمن تعريفات التحرش الجنسي، أو السلوك اللفظي غير اللائق، أو طلب فعل فاحش، بحسب تعريف القانون المحلي للتحرش والظروف المحيطة (السياق، علاقات القوة، المكان، وما إذا كان السلوك متكررًا أو مصحوبًا بأفعال أخرى). ورغم أن هذا المقطع وحده قد لا يرقى إلى الحد الكامل لجريمة، إلا أنه يظل رواية منسوبة للنفس لسلوك قد يُنظر إليه على أنه تجاوز للحدود الشخصية والمهنية، وبالتالي قد يكون ذا صلة إذا ما تم فحصه في سياق رسمي.
ثم يوضح الكاتب كيفية انتهاء الموقف:
“راضيته بجنيه وراضيتها بجنيهين… وانتهى الموضوع.”
وهذا يقدم عنصرًا إضافيًا: نزاع أعقبه دفع مالي ثم تسوية غير رسمية. ومن الناحية القانونية، يثير ذلك تساؤلات حول التكييف: هل يُعد ذلك تسوية خاصة لشكوى، أم يمكن تفسيره كمحاولة للتأثير على شخص لسحب شكواه؟
في هذه الحالة، البواب — كما وُصف — ليس موظفًا عامًا، ولا يوجد ذكر لإجراء قانوني رسمي قائم. وعلى هذا الأساس، يمكن فهم الفعل على أنه تسوية خاصة وغير رسمية، وليس رشوة بالمعنى القانوني الدقيق. ومع ذلك، فإنه يعكس قرارًا واعيًا باستخدام المال لاحتواء شكوى، وهو أمر ذو دلالة أخلاقية، خاصة فيما يتعلق بالمكانة المهنية والمصداقية العامة للكاتب الذي يقدم نفسه كصحفي وشخصية عامة.
وهذا يقود إلى مسألة أخرى: معايير السلوك المتوقعة من أصحاب هذه المكانة. إذ تنظر الجهات التنظيمية والهيئات المهنية ليس فقط إلى مشروعية السلوك، بل أيضًا إلى مدى توافق التصريحات العامة والسلوك المعلن مع قواعد الأخلاقيات المهنية. وفي بيئة اليوم، حيث يمكن لمثل هذه الشخصيات التأثير في اتجاهات المجتمع، فإن مثل هذه الوقائع الموصوفة ذاتيًا قد تكون محل نظر من أي جهة تقيم مدى الصلاحية المهنية أو أهلية شغل بعض المناصب.
كما يذكر الكاتب:
“كانت القاهرة عام 1971 جميلة وممتعة، ولم يكن بها 14 مليون كلب، يذهب مليون كلب منها شهريًا إلى المطاعم والفنادق ليصبحوا كباب وكفتة وحواوشي وصينية بامية بلحم الكلاب.”
هنا، لا يتم تقديم التصريح بوضوح على أنه سخرية أو خيال أو إشاعة، بل يُعرض كادعاء واقعي بأن عددًا كبيرًا جدًا من الكلاب يتم تحويله إلى طعام ويُقدم في المطاعم والفنادق. واللغة محددة ووصفية، وتنسب ممارسة واسعة النطاق إلى قطاع كامل دون تقديم دليل داعم أو توضيح أنها مبالغة.
ومن منظور القانون المصري، قد يندرج مثل هذا التصريح ضمن نطاق قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية فيما يتعلق بنشر “أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة” من شأنها تكدير السلم العام أو إثارة الفزع أو الإضرار بالمصلحة العامة. فادعاء أن المطاعم والفنادق تقدم لحوم كلاب، إذا كان غير موثق أو مبالغًا فيه، من شأنه بوضوح أن يقوض الثقة في سلامة الغذاء، ويضر بسمعة قطاع الضيافة، ويثير القلق العام، خاصة بين المقيمين والسياح.
كما يجرّم قانون الجرائم الإلكترونية المصري استخدام الوسائل الإلكترونية لنشر محتوى قد يضر بالمصلحة العامة أو الاقتصاد الوطني. ويُعد قطاعا السياحة والضيافة من القطاعات الاقتصادية المهمة، وقد يُنظر إلى مثل هذه الادعاءات، إذا كانت غير قائمة على أساس، على أنها تسبب ضررًا اقتصاديًا وسمعيًا. كما يتناول القانون ذاته المحتوى الذي يخالف القيم المجتمعية أو الآداب العامة، وهو ما قد يُستند إليه عندما تُطرح ادعاءات صادمة أو مزعجة كوقائع.
وقد تشمل العقوبات في هذه الحالات الحبس والغرامات، بحسب مدى الانتشار، وحجم التأثير، والضرر الناتج.
وإذا تم نشر تصريح مماثل داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن المسؤولية المحتملة تكون أكثر مباشرة وشدة بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية. وبشكل خاص، تعالج المادة 52 (وما يرتبط بها) نشر المعلومات الكاذبة أو المضللة أو غير الموثقة التي من شأنها الإضرار بالأمن العام أو المصلحة العامة أو إثارة الرأي العام. وقد يُصنف الادعاء بأن المطاعم تقدم منتجات غير مشروعة أو ملوثة ضمن المعلومات المضللة التي تمس تصور الصحة العامة والاستقرار الاقتصادي، وهما مجالان يحظيان بحماية عالية في القانون الإماراتي.
وقد تترتب على ذلك عقوبات تشمل الحبس وغرامات كبيرة (قد تتراوح من 100,000 درهم إلى 1,000,000 درهم أو أكثر بحسب النص والظروف)، مع تشديد العقوبة إذا كان المحتوى واسع الانتشار أو تسبب في إثارة القلق العام. وفي التطبيق العملي، تتبع السلطات في دولة الإمارات نهجًا صارمًا تجاه أي محتوى من شأنه تقويض الثقة في القطاعات الحيوية، لا سيما سلامة الغذاء والسياحة.
السرد مقابل الإقرار
ينبغي التأكيد على مبدأ قانوني مهم: ليس كل فعل يرويه الشخص عن نفسه يشكل اعترافًا قانونيًا. ولكي يُعد التصريح إقرارًا قانونيًا، يجب أن يكون واضحًا ومحددًا ومتطابقًا مع عناصر جريمة معرّفة. وفي المقال محل النقاش، تقترب بعض المقاطع من هذا الحد أكثر من غيرها. إلا أن النص بمجمله يتجاوز التعليق المجرد ويدخل في نطاق الوقائع المنسوبة للنفس التي قد تستدعي على الأقل فحصًا من الجهات المختصة في العديد من الأنظمة القانونية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بإسكات الآراء أو السرديات، بل بإدراك أن الشخصيات العامة عندما تختار نشر قصص تفصيلية عن أشخاص حقيقيين وأماكن وأفعال — خاصة عندما تمس هذه القصص مجالات حساسة مثل الصحة العامة أو تنظيم النقد الأجنبي أو السلوك الجنسي — فإن هذه السرديات لا تعيش في فراغ قانوني. بل تتقاطع مع القانون الجنائي، وقانون الجرائم الإلكترونية، وقوانين التشهير، وأخلاقيات المهنة. وبمجرد نشرها، فإنها لا تُقرأ فقط من قبل جمهور متابع، بل أيضًا من قبل محامين وجهات تنظيمية ومدعين عامين يتعاملون مع كل كلمة بجدية.
References:
https://www.egyptindependent.com/egypt-enacts-new-plan-to-contain-stray-dog-crisis/?utm_source
https://manshurat.org/node/31487?utm_source
https://cybercrime-fr.org/wp-content/uploads/2020/04/Egyptian-cybercrime-law-.pdf?utm_source
https://uaelegislation.gov.ae/en/legislations/1526/download?utm_source
Habiba Wahdan
Given the ongoing regional geopolitical instability, which disrupts airlines and key global trade corridors such as the Strait of Hormuz, it is recommended to h...
Ahmed Elnaggar
When narrative becomes potential cybercrime, and when public self‑disclosure attracts legal scrutiny. A Legal Reading of Personal Disclosure in Public Writin...
Dr. Habib Al Mulla
A Response to Atbin Moayedi. The Spectator published a critique of Dubai this week. It deserves a direct reply. Atbin Moayedi has written what he presents as a...
Please fill out the form to proceed with downloading.